.

.

.

.

26 يناير, 2012

بين واقعتين..


ما أخطره.. هذا الزمن الذي يمر سريعا.. طويلا.. صامتا.. بين واقعتين.


***


هكذا بدت لي كثرة انصاف انجازاتي وارباعها.. و حكاياتي المتشابهة، وإن تخللتها طفرات ما.. لكنها ضئيلة.. سريعة النهاية.. باردة.. منعدمة الوقع والدهشة والحياة.. تافهة.. لا تكاد تُذكر..

ومازالت ايامي تصطف برتابة.. كأني أرُصُّ قنانٍ فارغة الا من العدم.. منذ آخر نقطة تحوّل..


***

بين نُقطتي تحول، يهيم العمر أفقياً، كسهل فسيح، ممتد بين جبلين.. كمسار ثابت لنهر.. بين واقعتي المنبع والمصب.. كالذي يفصل ما بين السماء والارض.. كالهدوء بين العاصفتين..

سئمت طول هذا الهدوء، متى تراها العاصفة التالية تحل!


***

مرحلة استنزاف صامتة هي.. تلك التي تأتي بعد حصولك على شيء ما، بعد شهقة الفرحة او النجاة، لتقول لك، وتُؤكد، يوما عن يوم، أنه ماكان عليك ان تبالغ في الفرح لانك تدفع المقابل غاليا، تستقطعه من عمرك الحاضر والمستقبلي، تقدمه كي تبقى في مكانك ذاك.. ترهنه على ألا يعود لك..

تحصل على وظيفة مثلا، تفرح، لكن غبار الروتين سريعا ما يحاصرك ببؤسه.. قد لا يحدث هذا كثيرا في وظيفة أحلامك، وحب حياتك، وهدف عمرك.. إلا انه لابد وأن يحدث.. كثوري سابق الوقت لينتصر، وحين حصل على ما أراده، صدمه عدم جدوى بندقيته بعد استتباب الفوز والامن.. ليهيم هو الاخر في أفق الهدوء الرتيب.. ويعيش على ذكرى واقعة الثورة..

ما بين الواقعتين، ليس خسارة لانها مرحلة، كثيرا ما تكون طبيعية..


***

عجيب شبح الاحباط هذا الذي لا يمل من مطاردتي، ومن تغليف الحياة كلها بنكهته المريضة.. ينطلق بحرية بين اخر جبل بزغ في ارضي.. وجبل اخر ينتظر بركانا باطنيا قويا ليصعد وينهي شساعة الاراضي المنخفضة..

هنيئا لك، ايها الانتظار..

عمري الذي تتغذى عليه..


***

كل الدلائل تشير أننا لا نشعر بعمرنا ولا نتذكره الا بأهم وقائعه، إنها مدننا المضيئة في ليل خرائط عمرنا، تلك التي نسافر منها او إليها.. بيد أن ما بينها هي المسافات الطويلة.. هو الوقت المستهلك فعلا..

كم يستغرق الوصول الى نقطة؟ وكم يستغرق الانطلاق من أخرى؟ لحظيتهما لا تقارن بفصول الهجرة بينهما..

ذلك الحبل المعلق بدعامتين.. بواقعتين.. في ثناياه تتكون التجاعيد، بصمت الشيب.. و تخمد اللهفة وتنطفئ التوقعات وتصوم الزلازل..

فيه تترك العروس ثوبها الابيض لتصير أما، بكل ما تحمل الكلمة من وقت مثقل بالامومة.. وفيه يُودع الشاب عزوبيته لينصهر في مسؤوليات أبوته.. فيه تتقوى الامبراطوريات وتضطرب وتسقط، بكل ما يحمل عهدها من سلاطين..

وفي امتداده تمتد الثورات، بهزاتها الارتدادية وشهدائها وصرخاتها.. وفي ميدانه تعتصم لتبلغ واقعتها الهدف.


***
.. وتختلط علي الامور.. بسبب طول الرتابة حتى شوشت على ذاكرتي، فما عدت ادرك اي واقعة كانت الاخيرة في حياتي.. أهو غياب صديقتي المرعب فجأة ام عودتها؟ أم آخر نجاح او آخر وظيفة؟ آخر صدمة أم اخر ورطة أم آخر فرحة أم اخر حلم أم آخر حقيقة... !؟


***
يرعبني بودلير.. حين انهار قائلا "بعد فوات الاوان .. ربما أبدا"

تراها آخر واقعة في حياتي كانت ولادتي.. والتالية موتي.. وذلك الذي بينهما، المدعو تجاوزا "عمري"، لن يعدو ان يكون سوى ما بين واقعتين!




10 يناير, 2012

عفاف










لقد تفوق _حتى الان_ النظام السوري الجبان على كل زملائه، في مُعدل التعذيب والقتل..


كل الاشياء قابلة للاستيعاب.. الا استيعاب شخصية تعذب طفلة.. والاصعب، طفلة كهذه..



ألمس ازرار الكيبورد دون هدف.. الكلام يهرب لانه ادنى من ان يكون جديرا برثائك يا ملاكي.. فاسحا المجال للدموع ولهيب حرقة القلب..



_____________



عفاف محمود سراقبي
4 اشهر



تم تعذيبها وقتلها بعد اعتقال والديها



سوريا

05 يناير, 2012

صدمة..


.. ما بكِ؟

قالت.. اقصد، كتبت!

_ مصدومة..

_ هو؟ ماذا فعل؟

_ تعرض لحادث وتحطمت سيارته و...

ملأتُ نافذتنا "المسنجرية" بكثير من الهاءات.. ووراءها كانت دموعي تنهمر من شدة ضحكي.. ما حصل أن أرسلت هاءات كاذبة.!

_ إذن.. صديقتي هو من صُدِم وليس أنتِ!




25 ديسمبر, 2011

روائح الماضي..


لست متأكدة حتى اليوم من كفاءة حاسة شمي.. احيانا تشتغل على نحو ممتاز، وفي احيان كثيرة لا تعمل ابدا..

ولأقرب الصورة أكثر.. يمكنني ان أجزم بأني لست ممن يميزون اسماء العطور فقط من رائحتها، والادهى اني غالبا لا انتبه لرائحة عطر الاخرين الا اذا نبهني احد لذلك او اذا كان صاروخيا قويا..إني حقا لأُذهل من قدرة صديقاتي على فعل ذلك.. والعجيب انهن جميعا مهووسات بالعطور إلا أنا.. بناء على هذا، اعتمد على شكل القارورة واسمها ولونها اكثر من رائحة المحتوى حين اضطر لشرائه! كما يجب ان اسجل هنا اعجابي الكبير بعطور الرجال النفاذة كلها واحسدهم عليها حقيقة.. لا اعرف على اي اساس تم تذكير هذه الروائح المميزة، قوية الحضور.. وتأنيث الروائح الباهتة!

في مقابل هذا الجمال.. اشم روائح الغازات البشرية ايضا والسامة منها تحديدا.. كما انتبه سريعا لروائح الفم على بعد متر.. ولا اتردد لحظة في ابداء قرفي امام اصحابها واخبارهم مباشرة بذلك.. قصتي مع الروائح طويلة ومتنوعة .. باختصار، سيالتي الشمية بالكاد تنقل وجود رائحة ما الى مخي _ إن شممتها اصلا_ .. اما الجانب التحليلي في باحة الشم فهو معطل او مقتصر على تمييز القبيح والجميل فقط.. استطيع مثلا شم رائحة الطعام لكني لا اميز نوعه ..

اعشق ضمن ما اعشق .. رائحة بعض النباتات التي يجب ان اخصص لها ثرثرة طويلة.. كما لا انسى رائحة تفاعل المطر والتراب..

ماعلينا.. يبدو اني لن انتهي مما اشمه وما لا اشمه.. مقدمة طويلة تورطت فيها لا علاقة لها بما اريد الحديث عنه سوى التشابه في الاسم..



***


أَخبِرتم روائح الاماكن والمواقف؟! روائح المراحل.. روائح اللحظات.. روائح الانفعالات والمشاهد .. روائح الاصوات.. روائح الذكريات.. روائح الشخصيات لا الاشخاص..!


***

في كل مرة يُذكرني شيء او شخص ما بشيء بعيد جدا حصل لي، لم اتذكره من قبل، يصعد ذلك الحدث او الشخص من قاع الذاكرة وتنبعث رائحته معه لتزكم انفي من شدة وضوحها.. كأن يدًا ما تحملني من اللحظة الراهنة الى اللحظة موضوع الحديث!

قبل يومين ربما.. وفي مطبخنا حيث يحلو لنا، امي وانا، استحضار الذكريات، حفزنا شيء ما لفتح ملف معين في ارشيفنا المشترك، فعكست عقارب الايام دورانها لتستقر على جيرانٍ سود او سمر البشرة كان منزلهم ملتصقا بمنزل جدة امي في حي "لاسيكون" بالقنيطرة، حيث كنا نمضي عطلتنا الصيفية الى 1995 حين انفصل جدي لامي رحمه الله عن منزل والدته!

كنت صغيرة جدا حينها لذلك كان التذكر المفصّل صعبا تحقيقه.. تتحدث امي عنهم.. وتصعد الصور ورائحتها من اعماق ذاكرتي البعيدة.. من اولى خطواتي واكتشافاتي..
تسللٌ الى بيت لا تخترقه اشعة الشمس.. وسكان لا تشرق وجوههم بالبياض.. تُراها تلك البشرة التي لم اتعودها في تماسينت.. ذاك الاختلاف سبب حبي لهم؟ ولما لم يولد نفوراً؟ الاخير اقرب الى النتائج المنطقية.. وعند الاطفال خصوصا.. هؤلاء الذين تخيفهم .. وبعبارة ألطف.. لا تجذبهم الالوان الداكنة!

قالت امي اني كنت احبهم ودائما ما انفلت منها في حين غفلة لتجدني عندهم.. قالت ايضا اني كنت احب المتسولين جدا وارتمي في احضانهم واقبلهم.. وطفت رائحتهم.. رائحة البيت القديم.. رائحة جدة امي وهي تستقبلهم.. كانوا يطلبون الخبز الجاف.. واتذكر ذلك جيدا وتطوقني رائحة المشاهد.. رائحة براءة مراقبتي لها.. ثم النيابة عنها فيما تفعل واسراعي لتقديمه قبلها في المرات التالية.. رائحة سؤالي عما يفعلون بالخبز؟ ورائحة تخيلي للاجابة.. رائحة كلمات تشجيع مقتضبة جافة من الجدة الكبيرة.. رائحة غرفتها الطويلة.. رائحة صورها الكبيرة غير الملونة.. الدولاب.. الفساتين الوجدية.. قارورة ماء الورد الفضية..

كيف تكونت بداخلي رائحة لكل ذكرى كيف! تفاعل عجيب جدا.. ليست رائحة الرائحة.. انها اتحاد للظرف الزمني والاشخاص والمكان ووقع الحدث في نفسي ينتج رائحة خاصة بالمشهد ثم.. تتقوى ويشتد تركيزها كلما توغلت في الاختباء والتخفي والبعد داخلي.. الى ان تنبعث في يوم ما و تزلزلني طرباً وحنينا..

لكل روائع ماضيّ وفجائعه رائحة خاصة.. قبل سنتين تقريبا اعادتني رائحة دقيق الذرة المطهو بالبخار الى جلسة دافئة في احد اجزاء بيت جدتي لابي الطيني في تماسينت.. فتتني جمالا الى حد الوجع وهي تشرع في وجهي مشهد جدتي التي كانت تصنع لي بيدها كرات الذرة الناعمة الساخنة .. و طيف النسوة باثوابهن البيضاء والموقد الطيني.. وانا صغيرة.. جو برائحة الذرة.. من اعطى الرائحة لمن.. الذرة ام المشهد!

لن يسعني الوقت لسرد كل او ربع قصص ألبوم الروائح.. ليس الوقت فقط بل ان الكثير منها لم يحلق بعد من المجهول السحيق.. مازال ينتظر اشارة الفوحان من مُهيّج ما.. وبعضها لم ينضج بعد..وبعض القصص تتشكل الان، تصنع رائحتها لتأخذ مكانها في خزانة ذكرياتي الرمادية.. ستكون مؤثرة اكثر في المستقبل وسأشمها .. ولما لا تكون لكل هلوسة في مدونتي هذه رائحة في المستقبل! كل نص هنا ليس سوى ردة فعل بعد انفعال ما لابد له من شذىً.

يبدو اني لم اوفق في ايصال ما اقصده حقا.. قد يكون ما اعنيه، مجرد وقعٍ ما للذكريات.. لأول تذكّر بعد نسيان طويل.. لكنه يتخذ رائحة بالنسبة لي.. نعم رائحة الذكريات هي.. لا يكتمل عطرها الا بعد ان يتراكم عليها غبار السنين.. كلوحة لا يمكن الاعجاب بها والتعاطف معها والطرب لها الا بالابتعاد عنها لتتضح الرؤية..